وهبة الزحيلي
100
التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج
للمتّقين المخلصين . جاء في السّيرة أنّ أبا سفيان صعد الجبل يوم أحد ، فمكث ساعة ، ثم قال : أين ابن أبي كبشة ؟ يعني محمدا صلّى اللّه عليه وسلّم ، وأبو كبشة زوج حليمة السعدية ، وهو أبوه من الرّضاع ، أين ابن أبي قحافة ؟ - أي أبو بكر - أين ابن الخطاب ؟ فقال عمر : هذا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، وهذا أبو بكر ، وها أنا ذا عمر ، فقال أبو سفيان : يوم بيوم ، والأيّام دول ، والحرب سجال . فقال عمر رضي اللّه عنه : لا سواء ، قتلانا في الجنّة ، وقتلاكم في النّار ، فقال : إنكم تزعمون ذلك ، فقد خبنا إذن وخسرنا « 1 » . إن تقلّب الأحوال بين الدّول ليظهر العدل ويستقرّ النظام ، ويعلم الناظر في السّنن العامة ، وليظهر اللّه علمه بتحقق إيمان المؤمنين ، وانكشاف الصابرين على مناجزة الأعداء ، كقوله : لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ [ الأنفال 8 / 37 ] أي ليعلم الناس الفرق بينهما ويميزوه ، ولذا قال النّبي صلّى اللّه عليه وسلّم بعد موقعة أحد لمطاردة المشركين : « لا يذهب معنا في القتال - أي في غزوة حمراء الأسد - إلا من قاتل » فذهب المؤمنون الصّادقون بالرّغم من تعبهم وعنائهم . وقد فسّرنا : وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ بأن يظهر اللّه علمه بذلك للناس بما يعلم به ، إذ علم اللّه بالأشياء ثابت في الأزل ، فما يقع يكون مطابقا لعلم اللّه السابق في الأزل ، وعلم اللّه لا يكون إلا مطابقا للواقع ، فما لا يعلمه اللّه تعالى لا يكون له حقيقة ثابتة . وليعدّ اللّه أناسا للشهادة في سبيل اللّه ، فيقتلون في سبيله ويبذلون أرواحهم في مرضاته ، فقد فات بعض المؤمنين الاستشهاد يوم بدر ، فتمنوا لقاء العدو ، ليحظوا بمرتبة الشهادة . وقد كرّم اللّه الشهداء بالحياة البرزخية ، وبالدرجة الموازية للأنبياء ، فقال : وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتاً ، بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ [ آل عمران 3 / 169 ] ، وقال : فَأُولئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَداءِ [ النساء 4 / 69 ] .
--> ( 1 ) تفسير ابن كثير : 1 / 412 ، تفسير القرطبي : 4 / 234